الديمقراطية * : تاج السر عثمان

نشره zool يوم خمي, 2007-06-07 23:08.

لئن كان التاريخ الحديث قد شهد التكريس المنهجى والمؤسَّسى لنظام الحكم (الديموقراطى الليبرالى) فى أوروبا والغرب عموماً منذ حوالى ثلاثة قرون ، فإن شعبنا قد عرف أيضاً نظام (الشورى) ، سواء لدى ملوك كوش القدماء الذين كان ينتخبهم زعماء القبائل وملوك الفونج وشيوخ العبدلاب ، وكان هؤلاء أنفسهم يُختارون بذات الطريقة ، أم فى تعاليم الاسلام حالَ دخوله لاحقاً إلى البلاد. لذا يخيب مسعى كل من يحاول الإيهام بأن (الديموقراطية) نظام أجنبىٌّ عنا ، جملة وتفصيلاً ، أو انه لا يصلح لنا.على أنه يلزمنا ابتداءً أن نؤكد عدم وجود أى أوهام لدينا بشأن منشأ المفهوم الحديث لهذه (الديموقراطية الليبرالية) فى الفكر السياسى المعاصر : .................

1/ (الليبرالية) تبلورت أصلاً فى أوروبا القرنين 17 و18 كبرنامج أيديولوجى للطبقة البرجوازية الصاعدة ، تعبيراً عن حاجتها الاقتصادية ، آنذاك ، لتحطيم حواجز النظام الاقطاعى الذى لم يعد يناسب مقتضيات حركة رأس المال والسلعة وحرية اختيار المهن وانتقال الأيدى العاملة المطلوبة بإلحاح لتطور الصناعة. لذلك قام المفكرون الليبراليون ، وقتها ، بتدمير الأسس النظرية للنظام القديم القائم على النبالة واحتكار الأرض ، وبشروا بمجتمع جديد يمثل مصدر الثروة فيه رأس المال وحرية السوق وخيارات المنفعة. 2/ أما (الديموقراطية) فقد انطرحت معرفياً قبل قرون من (الليبرالية) لتدل على شكل الحكم الذى يتسم بإقرار الحريات والحقوق والمشاركة والمساواة بإزاء سلطة الدولة ، والذى تطلعت إليه المجتمعات الانسانية طوال تاريخها السياسى ، منذ أقدم التشكيلات الاقتصادية الاجتماعية عند الأسبرطيين والبيزنطيين ، أو عند الاغريق الذين يعود المفهوم بجذره الغالب إلى تلخيصاتهم الفلسفية على أيدى سقراط وأفلاطون وأرسطو ، من جهة ، وإلى تطبيقاتهم الأثينية بالأخص من الجهة الأخرى. هكذا شهدت العصور القديمة أشكالاً ملموسة (للديموقراطية) يتوقف مضمونها على طابع نظامها الاجتماعى. 3/ لكن (الليبرالية) قاومت (الديموقراطية) فى البداية ، قبل أن تعود لاستيعابها من بوَّابة اضطرارها لتوسيع دائرة الحريات والحقوق لتشمل كل المواطنين الذين احتاجت لدعمهم فى ثورتها على الاقطاع. سوى أن هذا الاستيعاب لم يقع نفرة واحدة ، وإنما بالتدريج. فحق التصويت ، مثلاً ، ظل قاصراً على الطبقات الرأسمالية العليا وحدها حتى الثلث الأول من القرن التاسع عشر. ولم تتمكن الطبقة الوسطى فى إنجلترا من التمتع به إلا فى إثر الاصلاح الانتخابى لسنة 1832م. أما العمال فلم يعترف لهم به ، إلا فى نهاية القرن التاسع عشر ، وأما النساء فقد كان عليهن الانتظار ، للحصول عليه ، حتى نهاية الربع الأول من القرن العشرين (1920م فى إنجلترا ـ 1928م فى أمريكا).الشاهد أن (الديموقراطية الليبرالية) مفهوم برجوازى ما فى ذلك شك. ولدت (الليبرالية) أولاً كمفهوم اقتصادى بحت ، ثم ما لبثت أن (تمقرطت) سياسياً فى سياق تطور الثورات البرجوازية ، حيث ارتقت من مستوى (الحريات الاقتصادية) للطبقات الرأسمالية إلى مستوى (الحريات السياسية) للجماهير. من هنا نتج التداخل بين المفهومين ، ربما لكون السيرورة التاريخية (لليبرالية) قد اقترنت أكثر من غيرها (بالديموقراطية). لكن مع انتصار الرأسمالية الحاسم على الاقطاع ، فإن (الديموقراطية الليبرالية) التى تحولت إلى سلاح فى أيدى الجماهير لانتزاع حرياتها وحقوقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية أضحت هى نفسها موضع عداء الطبقات والنخب التى يقترن لديها إقرار هذه الحريات والحقوق بتهديد الأساس الاقتصادى السياسى الذى يضمن لها تلك الامتيازات. ***تلك هى الزاوية التى نفذ منها حزبنا ، منذ بواكير تأسيسه على أيام النضال ضد الاستعمار ، إلى موضوعة (الديموقراطية الليبرالية) بجذرها الناشب فى معنى (الحريات العامة) و(الحقوق الأساسية) للجماهير ، والتى أثبتت دروس التاريخ الماثلة أنها أنسب ما يناسب منظومة التعدد السودانى ، متجاوزاً فى ذلك ميراث النقد الماركسى الكلاسيكى لها ، خاصة وأن نشأة الحزب نفسها كانت قد وقعت ، خلال النصف الثانى من أربعينات القرن المنصرم ، فى قلب حركة جماهيرية تمحورت ، على تعدُّد أشكالها شديدة الثراء والتنوع ، حول قضايا (التحرر) الوطنى وتأسيس نظام (ديموقراطى) للحكم. ولكن خبرة الحزب التاريخية فى التنظير والعمل على هذا الصعيد لم تنسرب بمثل هذه السلاسة التى قد توحى بها العبارة ، بل مرَّت بشتى صنوف النتوءات والمنعرجات التى أسبغت على هذه الخبرة طابعاً تركيبياً شديد الخصوصية والتعقيد. فعلى حين بقيت هذه الموضوعة تمثل ، بشكل ثابت ، أحد أهم المطلوبات الاستراتيجية المطروحة فى أفق المشروع الاشتراكى للحزب ، ظلت ملتبسة أيضاً ، فى فترات مختلفة من هذا التطور ، بمفاهيم (الديموقراطية الاشتراكية ـ الشعبية ـ الجديدة ـ الثورية) .. الخ. ومن أهم عوامل ذلك:1/ الأثر الملموس للنموذج الاشتراكى الذى بقى ماثلاً وضاغطاً ، ردحاً من الزمن ، وبالأخص التجربتين السوفيتية والصينية ، على حركة اليسار وحركة التحرر الوطنى العالمية عموماً ، لجهة المفاهيم التى تصعَّدت من نمط الهيكلة الستالينية للحزب والدولة والمجتمع فى الاتحاد السوفيتى ، ومن ثمَّ فى أنظمة الديموقراطيات الشعبية فى بلدان شرق أوربا وآسيا وأنحاء أخرى متفرقة من العالم فى أعقاب الحرب الثانية ، مستهدية بنظرة الماركسية اللينينية السالبة ، وبخاصة فى نسختها الروسية بظروفها المحددة ، للديموقراطية الليبرالية. 2/ ضعف الأساس الاجتماعى للديموقراطية البرلمانية فى الخبرة السودانية ، حيث الوزن الكبير (للقطاع التقليدى) فى بنية الحياة الاقتصادية والاجتماعية ينعكس ، وبشكل ملموس ،  فى زيف البرلمانية (الشكلية) ، وضعف الرأسمالية التى تقف وراءها ، ووجود قوى إجتماعية، داخل تيار الديموقراطية البرلمانية نفسها ، ذات مصلحة مضادة لتوسيع قاعدة الديموقراطية والنشاط المستقل للجماهير وتجديد الحياة فى هذا القطاع ، فلا تتورع عن انتهاك الحريات والحقوق الديموقراطية البرجوازية التى يفترض أن تشكل أساس النظام البرلمانى ، الأمر الذى تنتج عنه عزلة هذه الممارسة (الشكلية) عن حركة الجماهير. وبالنظر لكون حزبنا ظل يناضل تاريخياً على خط المصادمة لمصالح هذه القوى ، فقد وضعته ، من جانبها ، فى بؤرة عداوتها ، واستهدفته ، أغلب تاريخه السياسى منذ ما قبل الاستقلال ، بالملاحقة والتآمر الذى بلغ درجة حله وتحريم نشاطه ، من داخل البرلمان ، عقب ثورة أكتوبر 1964م. ولا غرو ، فالطبقات والنخب السائدة اقتصادياً وسياسياً لا تنفك تعيد ، كما قلنا ، إنتاج عدائها التاريخى (للحريات) و(الحقوق) التى تقترن لديها بتهديد امتيازاتها. ولعل هذا وحده كافٍ للكشف عن خطل تصور هذه الحريات والحقوق ، لا كساحة صراع فكرى وسياسى مستقيم ، وإنما كمجرد (هوامش) تتيحها هذه الطبقات والنخب للجماهير من آن لآن. ***وليس نادراً ما أفضت مراوحة حزبنا بين هذين العاملين ، فكرياً وسياسياً ، إلى تنازع مواقفه منذ منتصف خمسينات القرن الماضى وحتى أواخر سبعيناته بين مفهوم (الديموقراطية الليبرالية) التى تستصحب موضوعة (الحريات والحقوق السياسية) وتهدر موضوعة (العدالة الاجتماعية) ، من ناحية ، ومفهوم (الديموقراطية الاشتراكية ، الشعبية .. الخ) التى تفعل العكس تماماً من الناحية الأخرى ، مما أدى إلى تورُّط الحزب ، لدى بعض منعطفاته ومنعطفات البلاد التاريخية ، فى المشاركة فى تدبير أو دعم أو تأييد انقلابات عسكرية ، تعبيراً عن رفضه لشكلانية الممارسة البرلمانية ، وأملاً فى اختصار (درب الآلام) الطويل نحو تحقيق مصالح الجماهير بإقامة (نظام تقدمى) من فوق موجة (الأنظمة التقدمية) التى كانت تجتاح ، آنذاك ،  بلدان (العالم الثالث) عموماً ، والمنطقتين العربية والأفريقية بخاصة ، قبل أن تنتهى إلى خراب شامل على كلا صعيدى (الحريات السياسية) و(الحقوق الاقتصادية) للجماهير. مع ذلك ، بل ربما لذلك ، فإن مؤشر الأصالة الفكرية لدى الحزب ظل يسجل ، برغم قوة هذا التنازع ، وتائر عالية من النزوع إلى (الديموقراطية الليبرالية) ، بمضمونها القائم فى توفير أوسع الحريات والحقوق للجماهير على كلا مستويى التشريع والممارسة ، الأمر الذى كثيراً ما عبرت عنه مواقفه العملية ، ودورات لجنته المركزية ذات الطابع البرامجى ، خلال الفترة التى أعقبت المؤتمر الرابع.ظلت أغلب اتهامات الشموليين ودعايتهم المضادة للديموقراطية تتمحور حول الفساد فى ظلها. ولكن تجارب شعبنا أثبتت أن أصل الفساد ليس هو النظام الديموقراطى البرلمانى ، بدليل استمرار الفساد حتى بعد القضاء على هذا النظام ، وإنما أصله سطوة الطبقات التى تثرى من فوق النشاط الطفيلى ، وتسيطر على المفاصل الأساسية للنشاط الحزبى ، فتفسد النواب والحكام ، وتعميهم عن مصالح الجماهير. ولذلك فإن محاربة الفساد تستوجب اجتثاث الأصل. والديموقراطية هى الضمان الأوحد لهذا ، فما من قوة تستطيع مراقبة الفساد واجتثاثه غير رقابة الشعب ، ولا رقابة للشعب إلا إذا تمتع بحرياته وحقوقه كاملة ، وعلى رأسها سلطة تغيير الحكام. هكذا لم يغب عن وعى الحزب يوماً أن (الثروة) تواصل ممارسة سلطتها تحت ستار الديموقراطية البرجوازية أيضاً ، وإن بصورة غير مباشرة ، كما لو كانت السلطة بأكملها فى يد الشعب. ولكن هذه الديموقراطية البرجوازية نفسها ، وإن كانت لا تلغى المظالم الطبقية ، إلا أنها تساعد على كشفها وتهيئة المناخ السياسى الملائم لتمكين جماهير الكادحين من منازلتها.  ***ظل الحزب يرصد تعمُّق هذه القضية فى وعى ومزاج الجماهير فى بلادنا ، ومراقبة تحوُّل نضالها فى سبيل الديموقراطية إلى قانون أساسى للثورة السودانية ، متوسلاً إلى ذلك بالمنهج الماركسى دون انكفاء ، ومنفتحاً على غيره من أدوات المعرفة دون وجل ، حتى استطاع أن يصوغ خطه حولها ، نهائياً ، فى خطوة تحويليَّة حاسمة ، إبتداءً من البيان الذى أصدرته اللجنة المركزية فى أغسطس 1977م بعنوان (الديموقراطية مفتاح الحل) ، ورفضت فيه مبدأ (المصالحة) مع نظام مايو الشمولى ، باعتبار أن أهم أسباب أزمة الحكم فى البلاد هو (الديكتاتورية) ، وأن حل هذه الأزمة لا يكون بالتصالح معها ، بل بإحداث تحولات ديموقراطية راديكالية. ثم عادت اللجنة المركزية لاستكمال هذا الخط ، مجدداً ، فى دورة ديسمبر 1978م ، من واقع الخبرة التى تراكمت لدى الجماهير ولدى الحزب حول الديموقراطية التعددية ذات المحتوى القائم فى العدل الاجتماعى ، بالمفارقة لكل من النموذج المعتمد فى تجربة البلدان الاشتراكية من جهة ، والتطبيق السائد فى بلدان الغرب الرأسمالى من الجهة الأخرى. وخلصت الدورة إلى أن (الانتفاضة) ، من خلال صيغة التحالف الوطنى الواسع ، هى المخرج من أزمة الديكتاتورية إلى فضاء الديموقراطية التعددية الليبرالية بهذا الفهم المحدد. كما بلغت ذروة استنتاجاتها على صعيد هذا التأسيس النظرى بتقريرها أن ظروف بلادنا ، بتعدد تكويناتها الاقتصادية الاجتماعية والقومية ، وعدم التناسق فى تطور قطاعاتها الاقتصادية ، مازالت تشكل الأساس المادى الموضوعى لتعدد الكيانات السياسية التى تتوسل بها الجماهير لحل مشاكلها على المستوى المحلى والمركزى. وقد واصل الحزب تعميق خطه هذا فى انتفاضة 1985م ، ومن خلال دورات الانعقاد المختلفة للجنته المركزية ، فى الفترة التى سبقت وأعقبت انقلاب يونيو 1989م ، معوِّلاً بالكلية على (الديموقراطية البرلمانية التعددية) ، وعلى صيغة (التجمع الوطنى الديموقراطى) كإطار لتوحيد القوى السياسية المناضلة من أجلها.  والآن ، فإن الواجب المطروح بإلحاح ضمن أجندة التطور السياسى فى بلادنا ما يزال هو نفض الغبار عن ذاكرة شعبنا الثقافية الديموقراطية ، وتطويرها باتجاه الحريات الليبرالية ، والاستيعاب النقدى ، فى هذا السياق ، لسلبيات النمط الستالينى فى تجربة البناء الاشتراكى بظرفها التاريخى المحدد ، من جهة ، وللجانب الايجابى فى التجربة الغربية ، من الجهة الأخرى ، بمحمولها من الخصائص المشتركة مع خبرات مختلف الشعوب ، مما يؤهلها لتجاوز محدوديتها كمضمون أيديولوجى جامد لنظام اجتماعى معيَّن ، كى تتجلى كإطار ضابط لنظام حكم يقوم فى جوهره على (الحريات العامة) و(الحقوق الأساسية) و(الشراكة فى الحكم) و(المساواة أمام القانون). إن الديموقراطية بهذا المعنى حق لشعبنا ، كما لكل الشعوب ، أما الوصاية والحرمان منها فدعوة منهارة مهما أتعب أصحابها أذهانهم فى تسميتها بأسماء براقة ، من مواقع اليمين كان ذلك أم من مواقع اليسار. من اوراق التثقيف الحزبي -الحزب الشيوعي السوداني   


( تصنيفات: )

علِّق

Please solve the math problem above and type in the result. e.g. for 1+1, type 2
محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.
معلومات أكثر عن خيارات التنسيق